ابن قيم الجوزية

228

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

شروط توبة الفاسق فتوبة هؤلاء الفساق من جهة الاعتقادات الفاسدة : بمحض اتباع السنة . ولا يكتفى منهم بذلك أيضا حتى يبينوا فساد ما كانوا عليه من البدعة . إذ التوبة من ذنب هي بفعل ضده . ولهذا شرط اللّه تعالى في توبة الكاتمين ما أنزل اللّه من البينات والهدى : البيان . لأن ذنبهم لما كان بالكتمان ، كانت توبتهم منه بالبيان . قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ( 159 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 160 ) [ البقرة : 159 ، 160 ] وذنب المبتدع فوق ذنب الكاتم . لأن ذاك كتم الحق . وهذا كتمه ودعا إلى خلافه . فكل مبتدع كاتم ولا ينعكس . وشرط في توبة المنافق : الإخلاص . لأن ذنبه بالرياء . فقال تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ( 145 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ( 146 ) [ النّساء : 145 ، 146 ] ولذلك كان الصحيح من القولين : أن توبة القاذف : إكذابه نفسه . لأنه ضد الذنب الذي ارتكبه ، وهتك به عرض المسلم المحصن . فلا تحصل التوبة منه إلا بإكذابه نفسه ، لينتفي عن المقذوف العار الذي ألحقه به بالقذف . وهو مقصود التوبة . وأما من قال : إن توبته أن يقول « أستغفر اللّه » من القذف . ويعترف بتحريمه . فقول ضعيف « 1 » لأن هذا لا مصلحة فيه للمقذوف . ولا يحصل له به براءة عرضه مما قذفه به . فلا يحصل به مقصود التوبة من هذا الذنب . فإن فيه حقين : حقا للّه ، وهو تحريم القذف . فتوبته منه باستغفاره ، واعترافه بتحريم القذف ، وندمه عليه ، وعزمه على أن لا يعود . وحقا للعبد . وهو إلحاق العار به ، فتوبته منه بتكذيبه نفسه . فالتوبة من هذا الذنب بمجموع الأمرين . فإن قيل : إذا كان صادقا قد عاين الزنى ، فأخبر به ، فكيف يسوغ له تكذيب نفسه وقذفها بالكذب . ويكون ذلك من تمام توبته ؟ . قيل : هذا هو الإشكال الذي قال صاحب هذا القول لأجله ما قال : إن توبته الاعتراف بتحريم القذف والاستغفار منه . وهو موضع يحتاج فيه إلى بيان الكذب الذي حكم اللّه به على القاذف . وأخبر أنه كاذب عنده . ولو كان خبره مطابقا للواقع . فنقول : الكذب يراد به أمران : أحدهما : الخبر غير المطابق لمخبره . وهو نوعان : كذب عمد ، وكذب خطأ . فكذب العمد معروف . وكذب الخطأ ككذب أبي السنابل بن بعكك في فتواه للمتوفّى عنها إذا وضعت حملها « أنها لا تحل حتى تتم لها أربعة أشهر وعشرا » فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « كذب أبو السنابل » ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم « كذب من قالها » لمن قال « حبط عمل عامر . حيث قتل نفسه خطأ » ومنه قول عبادة بن الصامت « كذب أبو محمد » حيث قال « الوتر واجب » فهذا كله من كذب الخطأ . ومعناه « أخطأ » قائل ذلك . والثاني : من أقسام الكذب : الخبر الذي لا يجوز الإخبار به . وإن كان خبره . مطابقا

--> ( 1 ) بل باطل .